محمد متولي الشعراوي

162

تفسير الشعراوي

الانسان خصالا ومميزات ربما لم يعطها له ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ( من الآية 11 سورة الحجرات ) ان مجموع كل انسان ، يساوى مجموع كل انسان آخر ، وذلك هو عدل اللّه ، فإذا كنت أحسن من انسان في شئ فابحث عن النقص فيك . فإن استهزأت بمؤمن في شئ ، فالاستهزاء غير مفصول عن صنعة اللّه ، إذن فمن المنطق عندما قالوا : « إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » أن يرد اللّه عليهم « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » اى يزيدهم في هذا الطغيان ، لان المد هو أن تزيد الشئ ، ولكن مرة تزيد في الشئ من ذاته ، ومرة تزيد عليه من غيره ، قد تأتى بخيط وتفرده إلى آخره ، وقد تصله بخيط اخر ، فتكون مددته من غيره ، فاللّه يزيدهم في طغيانهم . وقوله تعالى « يَعْمَهُونَ » العمة يختلف عن العمى ، والخلاف في الحرف الأخير ، العمى عمى البصر ، والعمة عمى البصيرة ، ويعمهون أي يتخبطون ، لان العمة ينشأ عنه التخبط سواء التخبط الحسى ، من عمى البصر ، أو التخبط في القيم ومنهج الحياة من عمى البصيرة . واللّه تعالى يقول : « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » فكأنما العمى المادي ، قد لا يكون ، ولكن يكون هناك عمى البصيرة ، واقرأ قوله تعالى : قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) ( سورة طه ) فكأن عمى البصيرة في الدنيا ، يعمى بصر الانسان ، عن رؤية آيات اللّه في كونه ، ويعميه عن الايمان والمنهج . .